صديق الحسيني القنوجي البخاري
246
فتح البيان في مقاصد القرآن
أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه » « 1 » أخرجه أبو داود ، وزاد غيره في رواية « لا يجاوز تراقيهم » . وعن ابن مسعود قال لا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذّ الشعر ، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة ، وفي الباب أحاديث . والمقصود من الترتيل إنما هو حضور القلب عند القراءة لا مجرد إخراج الحروف من الحلقوم بتعويج الوجه والفم وألحان الغناء كما يعتاده قراء هذا الزمان من أهل مصر وغيره ، في مكة المكرمة وغيرها ، بل هو بدعة أحدثها البطالون الأكالون ، والحمقاء الجاهلون بالشرائع وأدلتها الصادقة ، وليس هذا بأول قارورة كسرت في الإسلام . [ سورة المزمل ( 73 ) : الآيات 5 إلى 7 ] إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ( 5 ) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ( 6 ) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً ( 7 ) وقوله : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا اعتراض بين الأمر بقيام الليل وبين تعليله بقوله الآتي إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ والقصد بهذا الاعتراض تسهيل ما كلفه من القيام كأنه يقول إن قيام الليل وإن كان عليك فيه مشقة لكنه أسهل من غيره من التكاليف فإنا سنلقي الخ . وقال السمين هذه الجملة مستأنفة ، وقال الزمخشري هذه الآية اعتراض ويعني بالاعتراض من حيث المعنى لا من حيث الصناعة ، والمعنى سنوحي وسننزل إليك القرآن وهو قول ثقيل ، وكلام عظيم ذو خطر وعظمة ، لأنه كلام رب العالمين وكل شيء له خطر ومقدار فهو ثقيل . قال قتادة : ثقيل واللّه فرائضه وحدوده ، وقال مجاهد : حلاله وحرامه ، وقال الحسن : العمل به ، وقال أبو العالية : ثقيلا بالوعد والوعيد والحلال والحرام ، وقال محمد بن كعب : ثقيل على المنافقين والكفار بما فيها من الاحتجاج عليهم والبيان لضلالهم وهتك أسرارهم ، وبطلان أديانهم وسب آلهتهم ، وقال السدي : ثقيل بمعنى كريم من قولهم فلان ثقل عليّ أي كرم عليّ ، قال الفراء : ثقيلا أي رزينا ليس بالخفيف السفساف ، لأنه كلام ربنا ، وقال الحسين بن الفضل : ثقيلا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ، ونفس مزينة بالتوحيد ، وقيل هو خفيف على اللسان بالتلاوة ثقيل في الميزان بالثواب يوم القيامة ، وقيل ثقيل أي ثابت كثبوت الثقيل في محله ، ومعناه أنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبدا ، وقيل وصفه بكونه ثقيلا حقيقة لما ثبت « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها على الأرض فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه » « 2 » أخرجه أحمد وعبد بن حميد والحاكم وصححه عن عائشة .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الصلاة باب 135 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 118 .